حنا مينة وإسهاماته في التعريف والاعتراف باللغة الأم لأهالي الإسكندرون واللاذقية

أكثر ما سحرني في روايات حنا مينة لغته التي تتلون وتتساوق إلى الطول والقصر بحسب الطبيعة والموقف والمشهد. هناك دراسات كثيرة عن أدب الروائي الراحل حنامينة ومنها عن لغته الأدبية فقد قرأت في هذا الصدد كتابا لصياح الجهيّم عن لغة حنامينة الأدبية.

أظن أن هذا الروائي قد نجا إلى حدٍ ما من مشروع العروبة لأنه أولا مسيحي في حين أن تراث العربية القياسية بشقيه الكلاسيكي والمعاصر إسلامي إلى حد كبير و ثانياً لأنه لم يحصل إلا على التعليم الابتدائي وفي زمن الانتداب الفرنسي وبالتالي كانت اللغة الأم لأبناء لواء الاسكندرون واللاذقية السوريين حاضرة في رواياته وقد يعود إليه الفضل في إدخال كلمة "الياطر" (وتعني المرساة وهي عنوان إحدى رواياته) إلى سجل اللغة العربية القياسية المعاصرة، وإن كانت ماتزال محدودة الاستخدام. هذا وقد حرر الروائي نفسه في خمسينات القرن العشرين إلى الحد الأقصى تقريباً من قوالب ومفردات اللغة العربية القياسية المعاصرة التي يمكن وصفها "بالخشبية" لأنها سجل نخبوي لا يستخدمه ولا يتقنه إلا قلة قليلة من المجتمع وقد ينتج عن استعمالها من قبل شخوص البحارة والعمال (الذين شكلوا معظم أبطال الروائي حنا مينة ورواته) مشكلة في المصداقية أو الواقعية التي انتهجها الكاتب في العديد من أعماله ومن هذا المنطلق كتب روايته "الشراع والعاصفة" التي يمكن القول بأنها مكتوبة بما يسمى "العامية". ومن الجدير ذكره أيضاً أن الروائي وإن تراجع عمّا فعله في "الشراع والعاصفة" على أنه على حد قوله: "سوء فهم للواقعية" إلى أنّه لا يلتزم دائماً بقوالب العربية القياسية المعاصرة ولا يخضع نفسه لقوالبها الجامدة ويصر على تلوين لغته مع تلون المشهد والشخوص والمواقف ناهلاً من الخليط اللغوي السوري.

أظن أن المستقبل سيأتينا بكتب ودراسات عن لغة هذا الكاتب من قبيل " الآرامية السورية في روايات حنا مينة" ولا سيما بعد انحسار مشروع العروبة ومطالبة شعوب المنطقة بالاعتراف بلغاتها الأم ولكن لابد ربما قبل ذلك من أن نقطع شوطاً في تطوير الدراسات اللغوية ولاسيما علم اللغة التاريخي وعلم اللغة المقارن في ما يخص لغات سوريا و الشرق الأوسط.

رامي الابراهيم ©




33 views0 comments