حول كلمة "كفر" في بعض اللغات ذات الأصل السامي

Updated: Oct 8

لم يكن لدى بدو شبه الجزيرة الآرامية الذين أسلموا في القرن السابع الميلادي قرى بالمعنى الموجود في فينيقيا أي تجمعات سكانية صغيرة لايجمع بينها بالضرورة رابط ديني أو عشائري قبلي والكلمة التي تقابل "كَفر" أي تجمع سكاني صغير عند بدو شبه الجزيرة الآرامية هو "قبيلة" وهذا ما استدعى كما أظن الحاجة إلى اشتقاقهم مفردة "قرية" من كلمة "القرى" في العربية الكلاسيكية والتي تعني "الكرم" في محاولة منهم لاستمالة أهل القرى في الريف الكنعاني والبيزنطي التي وجدوا فيها مقاومة فكرية أضعف بكثير من المدن التي يدين أهلها بالنصرانية واليهودية ولهم باع طويل في القراءة والكتابة والجدل.

هذا وقد يكون هذا الكفر بالأساس اسم مكان مقدس اعتاد فيه الكنعانيون على تقديم الأضاحي للتكفيرعن ذنوبهم وتقديم الكفارات وأطلقوا عليه "𐤌𐤒𐤌" أي مقام ثم عندما ازداد عدد القاطنين من حوله احتاجوا إلى كلمة تعبر عن التجمع السكني والبيوت المتناثرة في محيط المقام فقالو كفر "𐤊𐤐𐤓".

استناداً إلى مانعرفه عن لغة الكنعانين الفينيقية والدلالة بلفظ واحد على أكثر من معنى تكون في معظم الأحوال مترابطة في المعنى مثل "𐤏𐤍"أو"𐤏𐤉𐤍" عين الانسان أو عين الحيوان وعين الماء أو النبع فإننا نصل بالاستنتاج والقياس إلى أن اللفظ "كفر" الموجود في الفينيقية والعبرية والسريانية بمعنى قرية يشير في الأصل إلى مكان مقدس يأتي إليه الناس للتكفيرعن ذنوبهم وتقديم كفارات (جمع كفارة) ولاحقاً تم اطلاق اللفظ على التجمع السكاني المحيط به وعلى القاطنين به و زواره. أظن أن الكلمة تشمل أيضاً في الفينيقية على الأقل فعل الطمر والإخفاء لأن الناس الذين أتوا لزيارة المقام أحضروا تقدمات وهدايا وضعوها في مكان مخصص ومغطى وهذا المعنى يؤكده معجم لسان العرب لابن منظور والذي يشار فيه إلى الزرّاع بالكفار لأنهم يطمرون الحبوب أو يغطوها بالتراب. نجد معنى الطمر والتغطية في لفظ مشابه ولكن في لغة هندو أوربية هي الإنكليزية الحديثة "cover" والتي نرحج أن تكون بين الكلمات التي انتقلت من الفينيقية إلى الكلتية ومن الأخيرة إلى الانكليزية والألمانية كما أشار عالم اللغة الألماني تيو فينمان Theo Viennemann

نظراً إلى أن اللغات السامية لم تعرف التشكيل بالحركات قبل القرن الثامن للميلاد فلا نستطيع التأكد إذا تم التمييز بين المعاني بحركات الفتح أو الضم أو الكسر ولكن من الواضح أنها دلت على معان مترابطة فيمابينها.

إن التشابه اللفظي بين كلمة "كَفر" بفتح الكاف في الفينيقية والسريانية والعبرية مع "كُفر" بضم الكاف بمعنى عدم الإيمان جدير بالبحث. نحن ندرس هذه الظاهرة اللغوية في علم اللغة ونطلق على الكلمات التي تتشابه في اللفظ وتختلف في المعنى مصطلح Homophones ولكن عادة ما ندرس هذه الظاهرة في ذات اللغة أما الحالة التي بين يدينا فهي بين مفردة مشتركة بين الفينيقية والسريانية والعبرية باللفظ والمعنى الذي يدل على أشياء محسوسة كالمكان أو القرية والهبة أو الفدية المقدمة ككفارة عن الذنب ومعنى مجرد يشير إلى فعل التقديم نفسه في مقابل كلمة عربية ذات معنى مجرد (عدم الإيمان أو جحود النعمة).

تساعدنا المقاربة الثقافية في هذا الشأن إلى الوصول إلى بعض النتائج وذلك بالاستناد إلى معرفتنا بالاسلام والقيم والمفاهيم التي جاء بها وتناقض واختلف في كثير منها عن ثقافة تعدد الآلهة والثالوث المقدس وطبيعة تقرب وتواصل المؤمن مع الاله. وبناء على هذه المعرفة نستطيع التأكد أن كلمة تكفير التي دلت قبل الاسلام على القدوم على مقام أو مكان أو قرية للتكفير عن الخطايا قد اكتسبت في ظل الامبراطورية الاسلامية معنى يصف بعض الممارسات بالكفر أي عدم الإيمان وبمن يقوم بهذا الفعل بالكافر.

نستنتج مما سبق أن المصدر "تكفير" الذي دل على الفدية والتعويض في الفينيقية الذي مايزال موجوداً بهذا المعنى في العربية المعاصرة قد اكتسب معنى الاتهام بعدم إيمان أو جحود النعمة بعد قدوم الاسلام.



رامي الابراهيم ©

Sign up for news and updates

from Rami Ibrahim

© 2020 RAMI IBRAHIM  

  • Twitter
  • Black Facebook Icon
  • Black Instagram Icon
0