قراءة في كتاب من تأليف ريم حاصود

هي خاطرة بامتياز و مع ذلك تمتلك بامتياز أيضاً  خصائص و سمات أجناس أخرى كالشعر و القصة وتكشف عن دراية بفن الكتابة و امتلاك لأدواتها من حيث إعطاء الهاجس المركزي و الدافع الشعوري أولوية مع الحفاظ و الحرص على جذب اهتمام القارئ من خلال وسائل أهمها برأيي المفاجأة و الانزياح اللغويين.

الخاطرة فن أدبي يتميز بكثافة حسية منبعها ذاتية الأديب و حرية تتيح للكاتب عرض إحساساته و أفكاره عبر سلسلة من الجمل المتناغمة مضموناً لإنتاج نص يقبل تكثيفاً حول موضوع ما و هو لديك ( الحنين الفيض لأمٍ مفقودة ) كما يقبل التنوع المشروط بحد أعلى من الترابط. و برغم ذلك فإن مشكلة الخاطرة تكمن في عدم اعتراف الكتّاب أنفسهم بها كجنس أدبي مستقل، و يندر أن نجد من ينشر مجموعة من الخواطر في كتاب على الرغم من كونها أثيرة لدى الكثيرين. حدث ذلك في أيام كانت فيها الرومانسية مدرسةً رائدة في الأدب و كانت الذاتية من أهم السمات الواجب توافرها في الأدب، ولكن للكتابة طرف موضوعي آخر هو القارئ و هذا الأخير لن يقرأ كاتباً يسقطه من اهتمامه.

أؤكد أنها خاطرة بامتياز حيث أحسنت الكاتبة البدء و التمهيد لموضوع الخاطرة و مناخها النفسي فهو حنين و شوق لدرجة الانهيار، و أي انهيار؟ إنه النوع الصامت و المنساب في تفاصيل الحياة. إنها صورة غير مشهدية تعمل على الأحاسيس المرتبطة بالكلمات تشيع في النفس مشاعر تدخل القارئ في جو النص. أحسنت الكاتبة أيضاً استخدام الصورة الشعرية فهي تثير الانتباه و تشد القارئ لكونها مفاجئة و بعيدة في معظم الأحيان عن المباشرة، فللصمت صوت ( مفاجأة) وللحنان سكون ( وصف مجرد غير مرئي بصفات محسوس مرئي )  و الموت إنسان ينتحر و لايموت، و هو ينتشي سكراً بشيء ما فلا يعود يصغي لرجاء شخص آخر.

وهنا مثال آخر على حسن توظيف الصورة أو التشبيه، فتشخيص الموت هنا يضيف للنص عنصراً يستعيره من فن القصة. نصبح أمام شخص هو الموت يستطيع كاتب النص مخاطبته و الغفران له مما يعطي للخاطرة بناءً درامياً دون أن تنقلب الخاطرة على نفسها وتخرج من ثوبها الخطابي ( فهي تبقى خاطرة لأنها لا تتيح مثلاً للموت أن يتكلم بدوره معدداً للأصوات و مهدداً للانسجام).

هناك فنية عالية في استخدام الخطاب فهناك تجاوز للمخاطب إلى غيره مع الحفاظ على مركزية صوت الكاتب و عدم الخروج عن موضوع الخاطرة عبر نسيج هو التكثيف الحسي للحنين:

مثلاً ننتقل من خطاب الموت ” أمنحك السماح أيها الموت ” إلى خطاب الأم ” أستبدل نبضاته بصوتك أمي” و هو انزياحٌ آسر بحق؛ و من ثم العودة إلى مخاطبة القارئ، فالأم ” فلقد أسرفت في هجرك .. يا أماه “

الأم” هي النقطة الشعورية التي تتفجر عندها العاطفة و التي تعمل فنياً كما اللازمة  التي تعمل على ضبط الإيقاع في موسيقى القصيدة: فإذا نظرنا إلى مواضع خطاب الأم نجد أنها في نهاية كل مقطع ( استعادتك و لو للحظة ) نهاية المقطع الأول، و ( صوتك أمي ) نهاية المقطع الثاني، و( أسرفت في هجرك يا أماه ) نهاية المقطع الرابع،  كما وينتهي المقطع الثالث بكلمة أمي و هذا تماماً ما يحدث في الشعر.

بالكلام عن السمات الشعرية في النص أعود إلى صورة خلاقة فيه و هي الحنان الساكن في “سكون حنانك ” و التي تقابلها صورة أخرى هي الحنين الضخم في ” كيف الحنين يغطي مساحات الفراق ” بإشارة واضحة في سببية الحنان الساكن و نتيجة الحنين الضخم. و في كلتا الصورتين مفاجأة و جمال واستحواذ لاهتمامنا يعود إلى تشبيه المجرد ” حنين ” بالمحسوس”ضخم ” و كذلك الأمر مع المجرد ” حنان ” مع المحسوس ” ساكن

بالنسبة للعنوان أجد الصمت أو السكون مناسباً جداً لكن كلمة أنثى قد تأخذ بالقارئ إلى جدلية أخرى تفترض وجود ذكر و هذا ما لا يأتي به النص أبداً.

رامي الابراهيم

#ريمحاصود



Sign up for news and updates

from Rami Ibrahim

© 2020 RAMI IBRAHIM  

  • Black Facebook Icon
  • Black Twitter Icon
  • Black Instagram Icon
0